يكشف راغب صويلو تفاصيل عملية أمنية تركية معقدة استهدفت خلية مرتبطة بالاستخبارات الإسرائيلية، سعت إلى اختراق سلاسل التوريد الدولية والتجسس على أهداف فلسطينية، في مخطط يشبه إلى حد كبير أسلوب “هجوم أجهزة النداء” الذي نُسب إلى إسرائيل في لبنان عام 2024.
توضح ميدل إيست آي أن الشرطة التركية وجهاز الاستخبارات نفّذا عملية مشتركة الشهر الماضي أسفرت عن توقيف شخصين أُبلِغ عن اختفائهما لأسابيع، ضمن تحقيق أوسع حول نشاط خلية عملت منذ أكثر من عقد تحت توجيه مباشر من الاستخبارات الإسرائيلية.
شبكة شركات وهمية واختراق سلاسل التوريد
تفيد مصادر أمنية تركية أن الخلية بدأت العمل لصالح الاستخبارات الإسرائيلية عام 2012، واعتمدت على إنشاء شركات واجهة لجمع معلومات عن فلسطينيين وأهداف مرتبطة بهم، إلى جانب محاولات لتصدير مكوّنات طائرات مسيّرة والتغلغل داخل سلاسل التوريد التجارية.
خلال اجتماع عُقد خارج تركيا في يناير 2026، ناقش مواطن تركي يُشار إليه بالأحرف MBD—وأوقف لاحقًا—مع مشغّليه الإسرائيليين خطة لتأسيس سلسلة شركات وهمية خارج البلاد. نصّت الخطة على شحن منتجات غير مسماة من دول تحددها الاستخبارات الإسرائيلية إلى وجهات نهائية تختارها هي أيضًا، بما يسمح بإخفاء المسار الحقيقي للبضائع.
شارك في المخطط ثلاث شركات تعمل بشكل قانوني في آسيا: الأولى تتولى شراء المنتجات وإعادة تعبئتها، والثانية تخزنها مؤقتًا، والثالثة تصدّرها إلى شركات يملكها المستخدمون النهائيون الذين تحددهم الاستخبارات. ناقش الاجتماع الأخير كذلك فتح حسابات مصرفية، وتصميم موقع إلكتروني، وإنشاء حسابات على وسائل التواصل، والبحث عن شركاء محتملين لإضفاء شرعية ظاهرية على الكيان الوهمي.
تشابه مع هجوم أجهزة النداء في لبنان
ترى مصادر أمنية أن العملية تحمل بصمات واضحة لهجوم أجهزة النداء الذي نُسب إلى إسرائيل في لبنان عام 2024، حين انفجرت آلاف الأجهزة بشكل متزامن داخل شبكات حزب الله، ما أسفر عن عشرات القتلى وأكثر من ألف وخمسمئة جريح.
في تلك العملية، استغلت الاستخبارات الإسرائيلية سلاسل توريد تجارية وشركات واجهة ووسطاء لإدخال أجهزة اتصال مُفخخة إلى شبكة لوجستية مغلقة دون علم المستخدمين النهائيين. تشير تقارير إلى أن الموساد اكتشف شراء حزب الله لأجهزة نداء من شركة تايوانية، ثم أنشأ شركة وهمية تحمل اسمًا مشابهًا لتزويد أجهزة معدلة، مع إطلاق مواقع إلكترونية ومتاجر وهمية لتعزيز الخداع.
يعكس التشابه، بحسب المحققين الأتراك، نمطًا متكررًا يقوم على تسليح التجارة والبنية التحتية المدنية وتحويلها إلى أدوات استخبارية وهجومية منخفضة الكلفة وعالية الأثر.
تجنيد مبكر وأنشطة استخبارية متعددة
تعود أولى الاتصالات مع MBD إلى عام 2012، حين كان يدير شركة رخام في مدينة مرسين ويتاجر دوليًا. دعاه أشخاص قدموا أنفسهم كمديري شركات إلى اجتماع في أوروبا، ليتبين لاحقًا أنهم ضباط استخبارات إسرائيليون. طلب أحدهم، المعروف بالاسم الحركي “لويس”، من MBD توظيف شخص آخر يُشار إليه بـ VK، وهو مواطن تركي من أصل فلسطيني يعمل هو الآخر لصالح الاستخبارات الإسرائيلية.
عبر VK، وسّع MBD نشاطه التجاري في الشرق الأوسط، وبنى علاقات مع فلسطينيين معروفين بمواقف مناهضة لإسرائيل، وجمع معلومات عنهم ونقلها إلى مشغّليه. شملت الأنشطة محاولة زيارة غزة وإرسال صور لمخازن جرى استطلاعها هناك.
سعى الطرفان لاحقًا إلى دخول تجارة مكونات الطائرات المسيّرة، وطلب MBD إذنًا من مشغّليه، فجاءت الموافقة مع تزويده بعينات أولية مصدرها الاستخبارات نفسها. تشير المصادر إلى أن أحد الأشخاص الذين حاولا بيع المسيّرات له، وهو محمد الزواري، اغتالته الاستخبارات الإسرائيلية في تونس عام 2016.
اختبارات كشف الكذب واسم العملية
تقول المصادر إن MBD تعامل على مدار السنوات مع عدة مشغّلين، وخضع لاختبارات كشف كذب في دولة آسيوية عام 2016، ثم في فندق أوروبي عام 2024، واجتازها بنجاح، ما رفع مستوى الثقة به داخل الشبكة. استخدم قنوات اتصال مشفّرة، واشترى شرائح اتصال وأجهزة إنترنت من دول عدة، وأرسل صورًا لملصقات تتضمن كلمات مرور وأرقامًا تسلسلية وعناوين شبكات.
أطلقت الاستخبارات التركية والشرطة على عملية تفكيك الخلية اسم “Monitum”، أي “تحذير” باللاتينية، في إشارة إلى خطورة تحويل سلاسل التوريد المدنية إلى مسارات اختراق وتجسس.

